أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

314

شرح مقامات الحريري

واحتذى في ذلك حذوه من المولدين ابن المعتز ، وقصده الحريري في هذا الموضع لمعنيين : أحدهما لأنه كان صادقا في حبّ مية فكان لا يشغله عنها شيء ، لا مثل كثير عزة وغيره ممن لا يصدق في حبه ، والثاني أنه يكثر في شعره صبره على قطع الهواجر لمية مثل قوله : [ الطويل ] وهاجرة من دون ميّة لم تقل * قلوصي بها والجندب الجون يرمح « 1 » إذا جعل الحرباء مما أصابه * من الحرّ يلوي رأسه ويرنّح لئن كانت الدنيا عليّ كما أرى * تباريح من ميّ فللموت أروح ولما شكوت الحب كيما تثيبني * بودّي قالت إنما أنت تمزح فذكر الحريري أن هذه الهاجرة شغلته عن ذكر ميّ حتى طلب ظلّا يلوذ به . * * * وكان يوما أطول من ظلّ القناة ، وأحرّ من دمع المقلات فأيقنت أني إن لم أستكن من الوقدة . واستحمّ بالرّقدة ، وأدنفني اللغوب ، وعلقت بي شعوب ، قعجت إلى سرحة كثيفة الأغصان ، وريقة الأفنان ، لأغوّر تحتها إلى المغيربان ؛ فو اللّه ما استروح نفسي ، ولا استراح نفسي حتّى نظرت إلى سانح ، في هيئة سائح ؛ وهو ينتجع نجعتي ، ويشتدّ إلى بقعتي ، فكرهت انعياجه إلى معاجي ؛ فاستعذت باللّه من شرّ كلّ مفاجئ ، ثمّ ترجّيت أن يتصدّى منشدا ، أو يتبدّى مرشدا فلما اقترب من سرحتي ، وكاد يحلّ بساحتي ، ألفيته شيخنا السّروجيّ ، متّشحا بجرابه . ومضطغنا أهبة تجوابه ، فآنسني إذ ورد ، وأنساني ما شرد ، ثمّ استوضحته من أين أثره ، وكيف عجره وبجره . * * * أستكنّ : أستتر وأطلب كنّا . الوقدة : شدة الحرّ ، أستجمّ : أستريح فأتقوى . أدنفني : أمرضني . اللغوب : التعب . وذكر طول اليوم القصير وأنشد عليه في الشرح : « ويوم كظل الرمح . . . » ، وذكر أنّ اليوم القصير يوصف بإبهام القطاة ، ولم ينشده عليه شيئا ، وقال جرير : [ الطويل ]

--> ( 1 ) الأبيات في ديوان ذي الرمة ص 1212 ، والبيت الأول في لسان العرب ( رمح ) ، وتهذيب اللغة 5 / 53 ، وهو بلا نسبة في المخصص 8 / 177 ، وكتاب العين 3 / 226 ، ويروى « ومجهولة » بدل « وهاجرة » .